مفرمة الأردوغان في ليبيا وعبرها

0
244

علي شندب Ali_Chendeb@

ببساطة غير متناهية نقل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “المفرمة” من منطقة المشرق العربي وتحديدا سوريا، إلى منطقة المغرب العربي وتحديدا ليبيا مستندا على “مذكرتي تفاهم” وقعهم مع فايز السراج رئيس حكومة “الفرقاطة” المعيّن من الأمم المتحدة (والذي لم يمثل وحكومته أمام البرلمان الليبي لنيل الثقة)، وتتركز المذكرتان على التعاون الأمني والعسكري وتحديد “مناطق النفوذ البحري” بين تركيا وليبيا ليقول الأردوغان بعدهما بلغة الشاويش “لا يمكن لمصر وإسرائيل واليونان وقبرص القيام بأعمال تنقيب في البحر المتوسط دون أخذ إذن تركيا”.

وفي استكمال واضح لما بدأه الأردوغان ضمن عدوان حلف الناتو على ليبيا عام 2011 لإسقاط نظام العقيد القذافي وتقويض الدولة الليبية، وبالاستناد على مذكرتي التفاهم التركية الليبية المثيرتين للجدل والانقسام داخل ليبيا وفي جوارها العربي والإقليمي، تمكنت أساطيل الأردوغان وميليشياته وبموافقة الرئيس الأميركي ترامب (وبإشراف قيادة “الأفريكوم التي أطلقت الإشارات التحذيرية لمقاتلات روسية عبر كشف مساراتها الجوية ونوعيتها وتمويهها وأيضا قواعد الجيش الليبي التي هبطت فيها وخصوصا القرضابية والجفرة)، تمكنت وبالآلة الناتوية التقنية التسليحية والمجاميع الميليشاوية الإخوانية القاعدية إياها من قلب الأوضاع غربي ليبيا انطلاقا من السيطرة على قاعدة عقبة بن نافع في “الوطية” (التي يزخر محيطها بأكبر حقل غاز غربي ليبيا يشكل رئة أوروبا بفعل أنابيب شركة “إيني” الإيطالية انطلاقا من مدينة “مليتة” النفطية المحاذية لمدينة “زوارة” والمحاذية بدورها للحدود مع تونس)، ثم مطار طرابلس العالمي وانتهاء بمدينة ترهونه التي يمكن تسميتها “تاورغاء رقم 2″، نتيجة المجازر البشعة في السكان والممتلكات والمزروعات والمواشي التي ارتكبتها القوات التركية وميليشيات وكتائب حكومة الوفاق وقد دخلوا ترهونة بدون معركة بعيد انسحاب الجيش الليبي المفاجئ والمتسرع منها نتيجة ضغوط القيادة الأميركية المركزية في إفريقيا الأفريكوم.

ومع دخول ترهونة بات غربي ليبيا تحت سيطرة ميليشيات وكتائب حكومة السراج والقوات التركية التي تقودها، لتتجه بعدها إلى مدينة سرت المتوسطية في محاولة للسيطرة على قاعدتي “القرضابية” الاستراتيجية و”الجفرة” الصحراوية مفتاح جنوب ليبيا وعقدة مواصلاته الاستراتيجية، بحسب ما أعلن عنه الأردوغان في سياق مخطط خطير للسيطرة على وسط ليبيا بعد غربها، وهي السيطرة التي إذا ما حصلت فإنها تفتح الطريق لجحافل تركيا باتجاه مدينتي السدرة والبريقة حيث “الموانئ النفطية” وبعدها أجدابيا مفتاح شرق ليبيا وعاصمته بنغازي معقل الجيش الليبي، وحيث التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة المرتبطة بالنفط والطاقة والنفوذ من جهة والمهددة للأمن الاستراتيجي المصري وغيره من جهة أخرى.

وفي موازاة مذكرتي التفاهم التركية الليبية، وفي خطوة لافتة ومستجدة في توقيتها الذي يسير على إيقاع التوترات المتوسطية التي يحدثها التوغل التركي في ليبيا، وقع وزيرا خارجية إيطاليا واليونان الثلاثاء الماضي 9/6/2020 اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية وتعيين حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين، وهو الاتفاق الذي يمدّد اتفاقا أبرم عام 1977 بين البلدين بشأن الجرف القاري في البحر الأيوني. وقد وصف وزير الخارجية القبرصي “الاتفاق الإيطالي اليوناني” بأنه يتناقض تمامًا مع الخطاب التركي الذي لا أساس له بشأن البحر المتوسط. كما كشف مفوض السياسة الخارجية الأوروبية جوزيف بوريل أن اليونان طلبت رسمياً إدراج “سلوك تركيا في المنطقة” على جدول أعمال الاجتماع المقبل لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، واصفا الحوار بين تركيا واليونان بالمعقد. لكن رد تركيا لم يتأخر على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين إيطاليا واليونان، فميليشيات زوارة موجهة من القيادة التركية المتمركزة في قاعدة الوطية اقتحمت مجمع مليتة النفطي وأوقفت ضخ الغاز إلى إيطاليا احتجاجا على تأجيل “المؤتمر الوطني العام” (برلمان المجلس الوطني الانتقالي قبيل انتخاب البرلمان) مناقشة التعديلات القانونية بخصوص ضمان حقوق البربر الثقافية في الدستور القادم للبلاد، وهنا تكمن الحبكة التركية الاخوانية في تجحيظ مطالب الأقليات والعبث بالنسيج الاجتماعي الليبي في سياق ضرب الوجود العربي غربي ليبيا. وسط هذه المشهدية يمكن رصد أوراق القوة التي استجمعها الأردوغان في يده وبدأ يستثمرها في ممارسة الضغوط والابتزاز شرقا باتجاه مصر، ومغاربيا باتجاه تونس الجزائر والمغرب عبر الاستثمار على المكون “الأمازيغي” الذي يعتبر استثمار الغرب فيه مشابه تماما لاستثماره في ملف الأكراد وطموحهم في الدولة الكردية.

في خضم هذه التطورات الميدانية المتسارعة أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بحضور رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح وقائد الجيش الليبي خليفة حفتر وحشد ديبلوماسي عربي ودولي “مبادرة سياسية” تتضمن خارطة طريق ترتكز على القرارات والمبادرات الدولية وتطرح الرؤية المصرية للحل السياسي للأزمة الليبية والتي تنص على إعادة تكوين السلطة في ليبيا بمستوياتها التنفيذية والتشريعية مركزيا وفي “الأقاليم الثلاث”، وترتكز بوضوح على دور الجيش الليبي والأجهزة الأمنية مع خروج القوات التركية والميليشيات السورية التابعة لها والتي نقلها أردوغان من إدلب في سوريا إلى مصراتة وطرابلس في ليبيا.

وقد حظيت المبادرة المصرية وضمنا “الشروط السياسية” التي وضعتها على حكومة فايز السراج وأبرزها إخراج ميليشيات تركيا وقواتها الرسمية من ليبيا حتى تنطلق التسوية، حظيت بدعم روسيا والولايات المتحدة والسعودية وبعض الدول العربية والاتحاد الأوروبي وكل من فرنسا المانيا وإيطاليا الذين دعوا “أطراف الصراع الليبي إلى الموافقة سريعا على وقف إطلاق النار وسحب القوات الأجنبية والمرتزقة والعتاد العسكري”، لكن مبادرة السيسي قوبلت برفض متوقع من قبل الاردوغان أولا وحكومة السراج ثانيا، وصمت من دول عربية وأخرى أوروبية، وهو الصمت الذي لا يحتاج كثير عناء لفك شيفرته، سيما وأن غزوة الأردوغان إلى ليبيا هي الأولى لتركيا منذ سقوط الدولة العثمانية قبل مائة عام، وهي الغزوة التي سبقها تمددا عبر “أذرعة الإخوان” باتجاه قطر وتونس والصومال وأيضا اليمن؛ ففي خطوة تعكس تحالف المسار والمصير والسلوك بين حركات الإسلام السياسي والشيعي ورأسيهما التركي والإيراني، يتمدد الأردوغان عبر “الإخوان والحوثيين” في اليمن كخطوة ضرورية لتحقيق هدفه العميق وغير المكبوت في سياق السيطرة على “مكة” بهدف تكريس زعامته على “العالم الإسلامي السني”، سيما وأن غزوته الليبية وضعته على الحدود الاستراتيجية مع كرسي مصر، وهي الغزوة التي لا يوازيها في مضامينها الاعتبارية التعبوية وتشكل تعويضا استلحاقيا لها، إلا وصول مرشح الإخوان محمد مرسي (الذي يلتزم الأردوغان بالثأر لخلعه ثم لوفاته) إلى حكم مصر؛ مصر الهدف المتصل المنفصل وذات الرمزية الكبيرة في العالم العربي والإسلامي والتي تختصر الكثير من الزمن والمسافات كي يمدّ الإخوان وأردوغانهم حكمهم إلى مكة التي استثمر أردوغان لأجل الوصول إليها في قضية جمال خاشقجي لأبشع وأبعد الحدود وهي القضية التي أسقطها من يده “أبناء خاشقجي” الذين أعلنوا الصفح والعفو عن قتلة والدهم رغم هذا، ولهذه الغرضية نجد أن أردوغان الإخوان يسير على خطين متوازيين بسرعات متفاوتة باتجاه مكة بوصفها الهدف المركزي: الخط الأول باتجاه مصر عبر ليبيا وإخوان الغنوشي في تونس ونظرائهم الكامنين في الجزائر والمثلث الصحراوي الإفريقي، والخط الثاني باتجاه اليمن عبر إخوان حركة الإصلاح والحوثيين مدعومين بالجهاديين السوريين المرتزقة وغيرهم الذين باتوا مجرد بندقية للإيجار..

ما تقدم عرضه جد ضروري لفك وفهم الشيفرة غير السرية للاستراتيجية التي تتحرك على أساسها مفرمة الأردوغان التهديدية الموازية والمتكاملة مع التهديدات الإيرانية والإسرائيلية للبلاد العربية ومقدراتها، وهي الاستراتيجية التي تعيها وتخبرها جيدا القيادة السعودية، والتي تتنبه لها وترصدها بالميكروسكوبات السوبر دقيقة القيادة المصرية التي تلقت رفض الأردوغان وأتباعه في مصراتة لمبادرتها، وهو الرفض الذي قد يجبر مصر مدعومة من أشقائها العرب على المسارعة المدروسة في وضع “الخطة البديلة” موضع التنفيذ وهي الخطة التي تقوم على دفن المفرمة الأردوغانية في مهدها وإنقاذ ليبيا من براثنها حتى لا تنتقل تلك المفرمة إلى الصفحة الأخطر في حرب كبرى قادمة من ليبيا وعبرها إلى دول الجوار العربي والإفريقي، وعندها لن ينفع الندم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا